أبو حامد الغزالي

56

تهافت الفلاسفة

« ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - يعنى الفلاسفة - حيث اشتغلوا بالرد عليهم ، إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بغافل عامي ، فضلا عمن يدعى دقائق العلوم ، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمى في عماية فشمرت عن ساق الجد . إلخ » ولسنا نظلم الغزالي حين نقول عنه : أنه في تلك الفترة التي ألف فيها كتاب « التهافت » كان يطلب الجاه ، والشهرة ، وبعد الصيت ، فها هو ذا يتحدث عن نفسه في تلك الفترة فيقول : « ثم تفكرت في نيتي في التدريس - يعنى حين همّ بالخروج من بغداد لتطبيق منهج الصوفية على نفسه - فإذا هي غير خالصة لوجه اللّه تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه ، وانتشار الصيت ، فتيقنت أنى على شفا جرف هار ، وأنى قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل بتلافى الأحوال » ويقول في موضع آخر - حين رجع بعد الخلوة ليزاول التدريس بنيسابور - : « وأنا أعلم أنى وإن رجعت إلى نشر العلم ، فما رجعت ، فإن الرجوع عود إلى ما كان ، وكنت في ذلك الزمان - يشير إلى أيام بغداد حين ألف كتاب التهافت - أنشر العلم الذي به يكسب الجاه ، وأدعو إليه بقولي ، وعملي ، وكان ذلك قصدي ونيتي » . يخلص من كل هذا أن كتاب « التهافت » لا يصلح اتخاذه مرجعا لتصوير أفكار الغزالي ، التي يدين بها ويلقى اللّه عليها ، بل يجب أن تستمد هذه الأفكار من كتبه التي ألفها بعد أن اهتدى إلى نظرية الكشف الصوفية ، والتي سماها « المضنون بها على غير أهلها » . وهذا لا يتنافى مع اعتبار « كتاب التهافت » من الكتب التي عالجت مسائل علم الكلام علاجا دقيقا ، وموفقا في الوقت ذاته ، ولا مع نسبة « كتاب التهافت » إلى الغزالي بمعنى أنه ألفه ، لا بمعنى أن ما جاء فيه من أفكار يصور آخر مرحلة من مراحل التطور الفكري التي انتهى مطاف الغزالي عندها . وبعد ففي هذه الصورة يجب أن يظهر الغزالي ، وفي هذه الحدود يجب أن يقرأ « كتاب التهافت » .